بنت ابوها

كانت تعيش حياتها وكأنها ملكة متوجة، سعيدة بكل ما آتاها الله من فضل، راضية بما أنعم عليها به من خير، تحب بناتها الثلاث وتربيهن على أفضل ما يكون، مخلصة لزوجها توفر له كل ما قد يحتاجه لكى يتفرغ لعمله، تعيش الحياة بأيامها الحلوة ومرها إن أتى.

هكذا كانت تعيش سعاد مستمتعة وهى ترى بناتها يكبرن أمام عينيها فتزداد سعادتها يوماً بعد يوم.

كانت سعاد تعلم أن ما يمر من العمر لن تعوضه، فلا سبيل إلا الرضا، والسلام مع النفس، وأن تحب الحياة كما هى، وأن تتمسك بعادات مجتمعها وتحافظ على هويتها، وكانت تربى بناتها على ذلك، فبالرغم من أنها تتكلم الفرنسية والإنجليزية إلا أنها كانت لا تستخدمهما فى حديثها لأنها تعشق اللغة العربية، لأنها لغتها الأم فهى لغة البلد الذى ولدت، وتعيش، وتتمنى أن تموت فيه.

بالرغم من حبها الشديد لزوجها واحترامها له إلا أنها كانت ترفض أن يُكتب اسمها فى أى دعوة تُوجه لها باسمها بلقب الزوج، فقناعتها أن لقبها هو لقب أبيها وعائلتها، فهكذا تربت ونشأت، وقد تعجب زوجها يوماً من ذلك وقال لها: "هو انتى مش مراتى؟! يبقى تتنادى بلقبى" ولكنها رفضت وقالت له: "لما بنتك تتزوج ترضى إنها تشيل اسمك وتحط اسم جوزها؟!".

وعلى الرغم من أن زوجها لم يرد على سؤالها إلا أنها ظلت متمسكة بثوابتها التى نشأت عليها، وقررت أن تنقلها لأولادها من بعدها.

كانت سعاد امرأةً حالمة، أقرب ما تكون للمثالية، ترى الدنيا بعين صافية، وتعشق الحياة، وتحب الصدق حتى ولو أغضب ذلك البعض أو أبعد عنها الكثيرين، فهى لا تبالى بكل ذلك.

لم تكن لسعاد مطالب كثيرة فى الحياة، ولكن طموحها لبناتها لم يكن له حدود، ولكنها كانت تجمع بين غاية الرقة حين ترضى ومنتهى الحدة عند الغضب، وكان ذلك يبدو واضحاً عليها وفى نظرات عينيها.

عاشت سعاد حياتها بكل إخلاص وربَّت بناتها وكبرن وتزوجن.. ولكن لم تستمر الحياة على حالها كما كانت تتمنى سعاد، فقد انقلبت الأحوال فجأة وتغير حال زوجها دون مبرر، وصار شديد الغضب والحدة فى التعامل معها، واعتقدت سعاد لبعض الوقت أن هذا التحول ربما يكون ناتجًا عن ظروف عمله، خصوصًا أنه صاحب شركة كبيرة وقد تقدم به العمر فلم يعد يحتمل ضغوط العمل المتزايدة.. هكذا ظنت!! إلا أنها فوجئت بأن زوجها طلقها دون حتى أن يُخطرها ودون أية مقدمات أو أسباب واضحة، ولكن لم يمر وقت طويل حتى تبينت السبب، فقد تزوج من سكرتيرته فى العمل، ولم يقتصر الأمر على زواجه فقط، فقد قام بطردها من الفيلا لأنها غير حاضنة!

انقلبت حياة سعاد فجأة رأسًا على عقب ووجدت نفسها تعيش فى بيت ابنتها الكبيرة، بعد أن انهارت مملكتها، وباغتتها الحياة بما لم تكن تتخيل أو تتوقع. ولمكانتها ونبل صفاتها تسابقت بناتها وأزواجهن لإرضائها، فقد كانوا يحترمونها ويقدرونها ويدركون قدر الشعور بالقهر الذى تعيشه تجاه الأب الذى غدر بها دون مبرر.

تزوج الأب الذى أتم الستين من سكرتيرته التى تصغره بثلاثين عامًا، ويبدو أنه قد ضعف أمام جمالها، وأنوثتها الطاغية، ونظراتها القادرة على اجتذاب عقل أى رجل فى سنها، فما بالك برجل فى العقد السابع من العمر؟!

لقد استطاعت أن تجعله يقع فى حبها فأصبح متيماً بها، وأرادته لنفسها فقط فاشترطت عليه أن يُطلِّق زوجته، وكانت تبرر شرطها هذا بأن بناته قد كبرن جميعاً وتزوجن ولم تعد هناك فائدة من استكمال الحياة مع أم أولاده.. وكأن الزوجة والأم التى عاشت وسهرت وكافحت وتحملت وربت قد انتهى دورها فى حياته ولم يعد هناك مبرر لوجودها!!

ولم تكتفِ الحسناء بذلك بل اشترطت أيضاً أن تترك زوجته وأم أولاده بيتها وتنتقل لتعيش مع أى من بناته، واستجاب لها فى كل شىء بداية بطردها من بيتها وصولاً إلى مقاطعتهم جميعاً.

كانت زوجته الجديدة مختلفة تمامًا عن سعاد، من أسرة متواضعة وهذا ليس عيبًا، ولكن طموحها كان كبيرًا ولا يعرف المستحيل، كانت على استعداد أن تفعل أى شىء فى سبيل الوصول إلى غايتها حتى ولو على جثث الآخرين.

كانت تدرك أنها تملك من الجمال ما قد يفتح لها جميع الأبواب المغلقة، فاعتمدت على ذلك الإبهار فى علاقتها به، كانت ترتدى أزياء مثل نجمات السينما، تواكب أحدث صيحات الموضة العالمية، حتى صارت تبدو بجواره كأنها ابنته وليست زوجته، والغريب أنه كان سعيداً بذلك، وعلى "فيسبوك" كانت تكتب اسمها وبعدها لقبه وتنشر صورها معه بمناسبة ودون مناسبة وتفتخر بأنها زوجة رجل من كبار رجال الأعمال، وبالطبع كانت تتوارى من اسم عائلتها لأنها عائلة غير معروفة وليسوا أثرياء.

بعد عام من الزواج أنجبت منه ابنًا، وبعد عامين أنجبت ابنة، وظلت حياتهما تسير بعيداً عن زوجته الأولى - سعاد - وبناتها. والتحق أولاده بالمدرسة وبالطبع اختارت واحدة من أغلى المدارس فقد كانت تحاول بشتى الطرق أن ترتقى بمستوى حياتها وحياة أولادها، ولكن كان فهمها لمعنى الرقى يقتصر على الأزياء الغالية واستخدام بعض الكلمات الأجنبية بين الحين والآخر، حتى دون أن تتقنها، بشكل صار مدعاة للسخرية أحياناً.

ومر على زواجهما ثمانى سنوات، ومرض الزوج، فبدأت زوجته تضج من مرضه وكبر سنه، فهى لا تزال فى سن الشباب، تريد أن تعيش كزوجة وليست كممرضة، وبدأ هو فى استرضائها ولكنها بطبعها لا تعرف كيف يكون الرضا، مما جعل مرضه يزداد نتيجة لشعوره بالحزن على ما آل إليه حاله، ربما يكون قد ندم فى أعماقه ولكنه لم يستطع أن يفصح عن ذلك، كذلك لم يحاول أن يعود إلى نفسه ليسألها لماذا فعل بحياته كل ذلك؟

ومع تفاقم حالته المرضية بدأت زوجته تعلن عن رغبتها فى الطلاق، فقرر شراء رضاها عن طريق المال، وأودع مبلغاً كبيراً باسمها فى البنك لكى تستمر معه!

من كان يعرفها جيداً جزم أنها لم تكن جادة يوماً فى طلب الطلاق منه، لأنها تعلم بأن مرضه قد يُنهى حياته قريباً فتصل بذلك لمرادها.

مع الوقت تدهورت حالته الصحية ونُقل إلى المستشفى، فذهب إليه أولاده من سعاد لرؤيته وربما لتوديعه.. وبالفعل كان وداعاً.. فقد فارق الحياة بعد أيام قليلة فى المستشفى.

لم تبد أية ملامح حزن على زوجته، فهو بالنسبة لها مجرد بنك متحرك ورثت ما استطاعت منه فى حياته، واستكملت باقى الميراث بعد وفاته، وظلت بعدها تسكن الفيلا الفاخرة والتى كانت قد أرغمته على كتابتها باسم أولادها بحجة أنهم ما زالوا صغاراً.. واستأنفت حياتها الاجتماعية على الفور بشخصية أكثر جرأة ومحت لقبه وعادت لاسمها الأصلى، لم تخجل هذه المرة من اسم عائلتها فقد اعتقدت أن الثراء الذى صارت فيه كفيل بأن يمحو فقر ماضيها، وربما لكى تستطيع البحث عن رجل ثرى جديد تنتسب بالاسم له مرة أخرى.

أما سعاد فقد انتابها حزن شديد لوفاته بشكل أثار تعجب أولادها، فقد كان الأمر غريباً بسبب ما فعله والدهم بها، وما ذاقته من ظلم دون ذنب يُذكر.. وحين تكلمت قالت إنها لم تصمت حزناً على والدهن ولكنها كانت تتذكر أكثر من ثلاثين عاماً من حياتها، تفكر فيما أخطأت وفيما أصابت وهل أعطته الحب الكافى الذى كان يكفيه عن باقى البشر؟

ولكن ظلت قناعتها أنها نشأت فى أسرة صنعت منها امرأة تعرف المعنى الصحيح للحياة، فمهما تعلمت أو أتقنت لم تنس يوماً من هى أو تفترق عن هويتها أو تتعالى بتعليمها أو حتى تفتخر بثرائها، فالمال بالنسبة لها لم يكن إلا وسيلة للوفاء باحتياجاتها لكى تعيش حياة مستقرة تفى بمطالب أولادها.

لقد استطاعت سعاد أن تحافظ على اسم والدها ولقب عائلتها، وعلمت بناتها أن يفتخرن باسم والدهن خصوصاً أنها لم تنجب ولداً ليكون اسمه ممتدًا بعد أن يفارق الحياة.

لقد علموها أن الصدق هو مفتاح النجاة فلم تعرف النفاق أو الكذب، وتعلمت كيف تكون الزوجة الصالحة.. تعلمت أن الرضا كنز، فرضيت بحياتها بحلوها ومرها، فلم تندم يوماً ولم تبكِ.. ولو عادت بها الحياة ستكرر كل ما فعلت حتى ولو أصابها جرح أو ألم، فهى سعيدة راضية بـ"سعاد" كما هى وكما كانت أو ستكون!!

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة