زهور سوداء

اقتربتْ النهاية.. ولكل شىء فى الوجود نهاية.

شعرتُ بذلك وأنا أنظر لوجه رفيق عمرى الذى صمم أن يترك المستشفى، ويعود إلى منزلنا، ولم يمانع الأطباء أن يباشروا حالته وهو فى المنزل، كأنهم استشعروا أنه قد قارب على لحظة النهاية، ومن حقّه أن يقضى ما تبقى من العمر فى بيته، فى هدوء وسكينة وسلام.

وها أنا أنظر إليه، وأسترجع ذكريات العمر، وأتعجّب كيف يمكن أن تتبدل الأحوال، وكيف للإنسان أن يصبح فجأة بكل هذا الضعف.

فمنذ أقل من عام كان زوجى يملأ الدنيا بصوته وضحكاته الرنانة، كان قوى البنيان، طويل القامة، لا تشبع من النظر إلى عينيه، فبريقهما لا يمكن لبشر أن يخطئه أبدًا، فضلا عن وسامته وجاذبيته.

وها أنا ذا أجلس الآن بالقرب منه، وأتذكر حياتى معه، فقد تزوّجنى وأنا فى السابعة عشرة من عمرى، وعندما جاء لخطبتى، وقعتُ فى حبّه من أول نظرة، فقد كان نموذجاً لفتى أحلام أى فتاة فى سنى.

أنجبت منه أحمد ومصطفى، وسحر التى تصغر أخويها بثمانى سنوات، وكانت قطعة من قلب والدها، تفرّغتُ لتربيتهم ورعاية أسرتنا، وتفرغ هو لعمله وتجارته التى كانت تتطلب منه كل عقله وجهده، كى يمكنه الاستمرار والحضور بقوة فى السوق الذى لا يحترم الضعفاء.

لم أكن أعرف كل شىء عن عمله، لكنى كنت أرى وأعى أشياء كثيرة من حولى.. فرغم طيبة زوجى وحرصه على فعل الخير وفتح بيوت كثيرة، فإنه كانت له أيضاً أخطاؤه وذنوبه، فلم يكن يمانع مثلاً أن يدفع رشوة من أجل تسيير أمور عمله، وأحيانًا ما كنت أشعر أنه مستعد لأن يبطش بمن يقترب من عمله.

وكنت دائمة الخوف عليه وعلينا جميعًا من تلك التصرفات، لكنى إذا ما تكلّمت كنت ألقى منه ما لا يسرّنى!

مرّت السنوات، وكبر الأولاد، وتخرج أحمد ومصطفى فى كلية الهندسة، ولكنهما عملا مع والدهما وتزوجا وأنجبا لنا خمسة أحفاد، كما تزوجت سحر قبل مرض والدها بشهرين فقط، بعد أن تخرجت فى كلية الصيدلة.

وفجأة داهم المرض زوجى، وأصيب بورم فى المخ، لا تصلح معه جراحة، حدث ذلك وهو فى عزّ قوته وعنفوانه، وسرعان ما أخذت صحته فى التدهور يوما بعد يوم، ونحن نراقب حالته فى ذهول!

ورغم أننا نملك المال، وقفنا أمام مرضه عاجزين، فالشفاء لا يُشترى بالمال، ولكنه يتحقق بمشيئة الله وحده سبحانه وتعالى.

وذات يوم.. اجتمع الأبناء للاطمئنان على حال والدهم، وكان يومها فى حالة سيئة للغاية، وإذا به يخبرهم أنه قد أوصى بجزء من ماله لصالح دار للأيتام، ومستشفى لعلاج الأورام، وأن الوصية فى خزينته، لكنه لم يسعفه الوقت كى يوثّقها مع محاميه، أو يحدّثه عنها، وطلب منهم أن يحضروا له المحامى كى يكمل إجراءات الوصية.

كان ساعتها حريصا على أن يوضّح لهم أن وصيته لن تنقص كثيرا من ميراثهم، بل ستزيده بفضل الله، لأنه يريد أن يطهّر ماله من ذنوب ارتكبها وندم عليها، ويريد أن يغفر له الله ويسامحه، وكأنما كشفت بصيرته، فأراد أن يفعل لآخرته.

يومها لم ينطق أحمد أو مصطفى بكلمة واحدة، وظلت سحر تبكى وهى تسمعه، فقد كانت لا تزال تتمنى أن يتعافى وألا يفارقها.

ووعد أحمد أباه أن يحضر له المحامى فور عودته من السفر، لكن لم يمهله القدر، فلم يمض إلا يومان وكان زوجى قد فارق الحياة.

بعد أن مرّ شهر كامل على وفاته، بدأنا إجراءات تقسيم التركة، فسألت أحمد عن وصية والده كى نُطلع المحامى عليها، ففوجئت به يقول إنه لا توجد وصية، والمفاجأة الأكبر أن مصطفى أيّد كلامه، وأصر كلاهما أنه لم تكن هناك وصية فى خزانة والدهما، وأنه غالباً كان يهذى نتيجة مرضه الشديد.

لقد نسى كلاهما أن الوصية واجبة التنفيذ!

تشاجرت معهما أنا وسحر، لكنى لم أرغب فى أن يعلم أحد من خارج الأسرة ما يدور بيننا، فقد اعتدت طول حياتى المحافظة على أسرار بيتنا، فلا يعرف أحد أى شىء عن خصوصيات حياتنا.

تكلّمت مع أحمد ومصطفى برفق وتعقل مراتٍ، وأحياناً كنت أفقد صبرى وأنفعل عليهما، لكن لا حياة لمن تنادى، وكأنهما لا يريدان أن ينصتا إلا لشيطانهما. أدركت أنهما لم يتعلّما الدرس مما حدث لوالدهما، وكيف يمكن أن يصل الأمر بالإنسان أن يتمنّى أن تطول به الحياة ولو ليوم واحد، كى يكفّر عن خطاياه ويبرئ ذمّته أمام الله، قبل أن تأتى لحظة اللقاء.

إن أبناءنا ليسوا مثلنا، فنحن طريقهم إلى الدنيا، ننجبهم من دم ولحم، لكن لا نزرع فيهم بالضرورة خصالنا، وكل نفس ولها سرها، وإلا لاستطاع سيدنا نوح أن يغيّر ابنه!

وبالفعل تم تقسيم التركة كاملة وفق شرع الله، ولم يعملوا بوصية الرجل الذى فارق الحياة تاركًا وصيته فى ذمة أولاده.

الوحيدة التى لم تنس ما أوصى به والدها، كانت سحر، حيث قررت أن تخرج جزءًا كبيرًا من ميراثها وفاء لأبيها، لكن هذا لم يرق لزوجها، ودبّ بينهما الخلاف، لكنها ظلّت على موقفها من أن "من حكم فى ماله فما ظلم"، وعندما تمادى فى الإلحاح عليها أن تتراجع عن قرارها، طلبت منه الطلاق، وطُلّقت بالفعل، لكنها لم تحزن عليه، بل حمدت الله أنها لم تكن قد أنجبت منه.

استمر أحمد ومصطفى فى عملهما، وأخذتهما الدنيا، كلاهما كانت لديه رغبة محمومة فى أن يأخذ من الدنيا كل ما يستطيع، دون أن يعطى شيئًا. وصار جمع المال همهما، فلم يضيّعا أى فرصة للحصول على المزيد منه، ظنًا منهما أن المال سيجلب لهم السلطة والصحة وحتى السعادة.

لقد جعل أحمد ومصطفى المال هدفًا لهما فى الحياة، وبالفعل زادهما الله مالاً.

ومرّ على وفاة زوجى خمس سنوات، تزوّجت سحر من رجل آخر، أنعم الله عليها به، فكانت بينهما قصة حب نقية، ورزقها الله ببنت جميلة عيناها تشبه عينى جدّها رحمه الله. فيما كنت كلما اشتقت لزوجى، أنظر إلى عينى حفيدتى، فأرى بريق عينيه ونظرته الثاقبة، فأدعو له بالرحمة.

أما أحمد، فأصيب بمرض نادر فى الدم، اضطر معه أن ينفق معظم ما يملك من مال على علاجه، حتى وصل به الحال أن باع الفيلا التى اشتراها بعد وفاة والده، وانتقل إلى شقة أقل، حتى يستطيع أن ينفق على مرضه.

كنّا جميعا نحاول أن نساعده، لكن يظل الشفاء بمشيئة الله وحده، وكان قلبى موجوعاً من أجله.

فيما طلبت زوجة مصطفى منه الطلاق، لمعاناتها من بخله الشديد وحرصه على المال، فتركته، وتركت له ثلاثة أبناء، أكبرهم فى العاشرة، وتزوجت من رجل آخر، فارتبكت حياته، ولم يعد يركّز فى عمله، إلى أن انتهى به الحال لخسارة مبلغ كبير من المال، أدت لتدهور وضعه المادى.

قد تبدو هذه القصة مكرّرة، لكنها تكشف الستر عن تلك النفس التى نتعلل بها جميعًا. لقد خلق الله الإنسان كزهرة بيضاء لا تشوبه شائبة، ولم يخلق فينا الطمع أو الكراهية، بل جعلنا طلقاء، ووضع أمامنا فى الحياة خيارات لا حدود لها.

وها أنا ذى أرى فى أبنائى مثالين مختلفين، فمن اتقت الله وراعت ضميرها، فازت بنِعم كثيرة، ومن غلبهما حب المال، ولم يرعيا وصية والدهما، لقيا ندمًا وخسارة كبيرة.

ولكن هل ينفع الندم؟!

أنظر فى عيون ولدى، فلا أجد إلا الندم والحسرة. أشفق عليهما، لكنى للأسف عاجزة عن إنقاذهما من مواجهة قدرهما، وَمِمَّا يلقياه من عقاب الخالق، وعدالة السماء.

إنه قدر لا يستطيع أن يقف أمامه أو يحوّله إنسان، حتى لو كانت أم تسعى لإنقاذ أبنائها.

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة