حفار القبور عاطل اليوم عن العمل، لا سيارة إسعاف ولا توابيت خشبية.. ولا عطر للموت في الأرجاء..
فقهاء المقبرة وبائعو التين المجَفَّف وماء الورد وراسمو الشهادات، والمتسولون على باب المقبرة.. حزانىاليوم، بالكاد ينشُّون الذباب على سحناتهم اليابسة ويغرقون في همس الأنين وما تبقى من ذكريات الزمنالباذخ.
حفار القبور في وضع حزين...
هو اليوم يلعن الطب وحبوب منع الحمل والعازل الطبي وكل موضات تحديد النسل، ويكره برامج الحِمْية وحُقَن الأَنْسولين وحبة الأسبرين وكل وصايا الإسعافات الأولية... ليس لأنه متخلف أو أصولي. إذ هوينتصر بقناعة الحداثيين والعقلانيين جدا لفكرة حقنة الرحمة للميؤوس من شفائهم طبيا!
حفار القبور يتأسف لحادثة سير قاتلة لم تُصب سوى سائق الشاحنة ..ويُعِدُّ الضحايا المحتملين وأرباحقبورهم.... يَنْزوي قرب عتبة بيته مثل شاهدة قبر، يرفع يده للسماء مستجديا إياها بطوفان يُنجيه، وبزلزاليصيب الضواحي فقط، ويتساءل مستغرباً: لماذا لم يمر تسُونامي من هنا.. والطاعون أضحى مجرد ذكرىباذخة؟!
ويتذكر الأيام الخوالي، "أيام العز" كما يحب أن يسميها بافتخار، حين كان يعمل ليل نهار، وكيف كانيصدح بالغناء وهو يحفر القبور مثل نشيد الحصادين في الحقول..
حفار القبور مثل تجار الحروب، يكره معاهدات السلام، لا وقت لديه للبكاء، لا حصة له في وصاياالموتى، ولا نصيب له من فرح ورثة الأثرياء أو عشق الخليلات المشتركات، اعتاد أن يدفن بضاعته علىعجل، ويُعِدُّ النقود القليلة على مهل، ليس لحفار القبور حيزاً للحزن على الموتى.. ولا وقت لديه ليسائلالمغزى الوجودي للفناء، وكل مرة يؤجل فروضه الدينية إلى الغد!
حفار القبور حزين اليوم..
يلوم ملك الملوك على كسله، وعلى تخلف أدواته العتيقة ويتساءل في حيرة: "ألم يُصب الموت بضجرالبطالة واسترخاء عقارب الوقت.. هل نسي السيد الموت نفسه في لعبة إلكترونية أم لحق ساعته الأبديةخلل تقني، أم ترى لم يوقظه الخدم ولا ضجيج الحياة؟ هل سهر في حفل باذخ ونام نومة أهل الكهف، فلابد لملك الملوك من استثناء أو خلل يجعله ينتمي إلى الطبيعة؟ أم ترى ضجر من وظيفته وقدَّم استقالته؟!وإلا لما لم ينشر حبائله السوداوية لاصطياد لقمة العيش"
وانبثق فجر أزمة عالمية جديدة لمعطلي الموت ومعها تناسلت الحكايات والإشاعات، واختلط الخبربالحقيقة..
بعضهم أخذ يبحث في سجلات الهاتف عن رقم ملك الملوك، وآخرون بدأوا يتساءلون حيارى عن السبيلإلى إيقاظه...، وتناسلت الحكايا حول اختفائه المفاجئ...
بعضهم تحدث عن غواية جميلة للحياة التي اصطادت الموت
