لم يكن أبي "عبد اللطيف" مجرد نسب عائلي، كيمياء لوهج الروح، كان امتداده فينا أكبر من رائحة الدم، للأسف لم نكتشف صداقته إلا في نقطة الوصول إلى افتراقنا
القسري، فجأة توارى في الغياب، واختفت ابتسامته المشعة مثل ألوان قوس قزح من سمائنا، ولم يترك لنا سوى ألم الحنين ووجع الذكريات..عاش موته بشجاعة الفرسان، قويا صامدا مبتهجا حتى، وبإيمان نبيل كان يعي أن المنية إذا نشبت أظافرها فلا تميمة تنفع.. كان برغم الألم الذي ينخر جسده يتآلف مع ضعفه بكبرياء الفرس الجريح.. حتى مات شامخا.
لحظة وقفت على شاهدة قبره، تساءلت باستغراب: كيف يتسع هذا القبر الصغير لقلبه فقط؟ كيف تنطفئ عيناه الحالمتان بوحشة الظلمة؟
دوما كان يحكي عن بغداد التي في القلب، عن سوريا التي لم يبق فيها شيء جميل، عن اليسار الجديد الذي تحولت أحلامه إلى غبار، وعن أنفاس اللعبي التي كان يهربها صحبة المناضل الماركسي أنفلوس مثل ممنوعات سرية لتصل إلى يد الرفاق.. تورط في السياسة باكرا ووحدها ألطاف الله أنقذته من المعتقلات الهاديسية لعصر رصاصي.
كان كتلة من حب، أثرا لنشيد جميل، بل كان النشيد ذاته، أغنته الحكايات المكتنزة رغم قلة ذات اليد ومكر الزمان وخياناته، حتى في أقصى لحظات يأسه كان يبتسم، وحتى وهو على فراش الموت كان يحكي لنا بنزق الأطفال الذي ظل متشبثا به، كيف لعب دور شخصية كبيرة في البلد وأدخل أفراد العائلة إلى حفل فني كبير، حتى والمرض قد افترسه افتراسا ظل يحكي باستمرار عن كرة القدم في دروب مدينة القنيطرة، عن شاطئ المهدية، عن شيطنة الطفولة ونزق اليافعين في الحي الذي احتضن مسار البدايات، وكنت أستغرب دوما اتقاد ذاكرته وإقامته في التفاصيل الصغيرة، بلا حدود كان يوقظ الحكايات من غفوة السهر ويبتسم ضد انكسارات الزمان وخيانات أهله، بلا حدود كان يحكي عن جراحات الأصدقاء الذين تفرق بهم الزمان وما خانوا وظلوا يحملون إليه الابتسامة ذاتها التي منحهم إياها وهو غض طري.
كان أكثر من أب، للأسف لم ندرك ذلك إلا حين دق ناقوس الغياب، كريما كان وهو ذو خصاصة، بهيا وشامخا ظل حتى في لحظات ضعفه الإنساني، واجه موته بالتقسيط المريح، تآخى مع ظله، تقاسم معه الشجن والأسى، وبعض ذكريات الطفولة التي كانت دوما ملح طعامه.
أيها البهي من أين الطريق إليك، كيف نلمس عتبات كل هذا البياض الأبدي لنقيس وجهك، لنسمع صوتك، ورائحتك فينا، أشياؤك، ترفض هذه "النعيمة" إبعادها كما يوصي المقربون والأصدقاء والفضوليون أيضا.. كأنها لا تريد أن تشعر بأنك لوحت بمنديل الوداع وتركتها في منتصف درب الحياة، ولا زالت تحلم أنك فقط على سفر وأن ميعاد أوبتك لأيام أُخر..
ظل يغضب لهجر من أحبهم وتقاسم معهم وهج الطريق، لكن حينما كانوا يتجمعون حول سريره وهو على فراش المرض لا ندري من أين كان يستمد تلك الطاقة التي تجعله مليئا بوهج الحياة، حيويا بشوشا، بهيا.. عيناه يشع منهما نهر دافق من النور المتلألئ الذي يخفي كل أحزانه عنا، غيلة خطفه الموت في عز عطائه وهو يملأ كل فضاءات البيت..
لا أدري لأي سبب حُرم الآباء من أن تكون تحت أقدامهم الجنة، لكن وحده أبي كان الاستثناء، حين كنت أتسابق أنا وأختي الصغيرة على مسد رجليه كيف كنت أرى تحت أقدامه وديانا وأباريق وأشجار تين وزيتون وفاكهة ورمان وأشجار نارنج ودوالي وأرى تحت أقدامه ولدان مطوفون و ماء سلسبيلا.
برغم الأنواء لم ينحن يوما للعاصفة، كان يشرع صدره للريح ويطلق قهقهات عالية ضد من هادوا وبادوا، ضد من صادقوا وخانوا، ضد من عاهدوا ولم يفوا، ضد الزمان الكلبي حين كان يرمي النبلاء إلى أقاصي حزينة، هنا كان وجعه بالذات حيث ظل يحتمي ببطولات الماضي من انكسارات الحاضر.
لا شمس تشرق بعد غيابك، أبتي أبعد رحيلك سيشرق صبح ما؟ أعرف أن الناس يستأنفون الحياة بعد أن يتفرق المعزون، لكن ما سأقول أنا لهاته الريحانة التي أوهمتها بأنك سافرت إلى مكان بعيد وأنك ترقد في السماء وسترى وجهك كل مرة في القمر وهي التي لم تبلغ الخمس ربيعا؟
من أي مدى شئت، مد يدك لعلي أقرأ في خطوط كفك مسارات الآتي، حتى في لحظات غضبك وقسوة الزمان وأهله ما ضعفت، ما خنت، ما أكلت لحم أعدائك لا طازجا ولا نيئا.. فنم أيها الشامخ كما النسور في الأعالي، فلم يعد هناك غير الحضيض لذلك غادرتنا بشموخك كي لا نرى ضعفك المحض بشري.
أبتي أعذرني إن لم أوفيك حق الانتساب إليك، ستظل مثل أغنية تردد الجبال صداها عاليا حتى وإن ابتلعك الغياب، يا طلعتنا الأخيرة أكتبك في الهزيع الأخير من الليل وأنا أطل من الشرفة الأولى للحب الذي علمتني إياه، رضاك إكليل ضد الفقد أحيا به وساعة للوقت أحسب بها ما تبقى من العمر، كم سأعيش وحيدة بلاك.
