جريدة أكدز الإلكترونية
عبد الحميد احسيني
كثيراً ما أسيل حبر الأقلام حول خطابات الملك سواء في مناسبات عيد العرش أو عيد الشباب أو في مناسبات أخرى، وذلك بتعله تعدد الآراء بهذا الخصوص وكذا كثرة التأويلات، غير أن الخطاب الأخير، لا يقبل التأويل ولا كثرة اللغط؛ لأن رسالة الملك واضحة وضوح الشمس، وصح قول قائل: "وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل" إن شئنا. نبرة خطاب الملك الأخير مباشرة بدون لغة خشب، أو تلاعب بالعبارات، فقد قال بالحرف الناصع الناصح: " لو قامت الإدارة المغربية بعملها كما ينبغي، ما لجأ إلي المواطنون لحل مشاكل بسيطة؛ لولا أنهم أحسوا بظلم مجحف في حقهم، أو أن الإدارة تتماطل في قضاء حوائجهم وتناول قضاياهم، فما هي أهمية الإدارة وما دورها إلم تقم بدورها كمؤسسة اجتماعية وسياسية واقتصادية، تدفع بالجماعات والأفراد نحو الازدهار، والخروج من دائرة التصنيف الذي يضعنا في خانة دول العالم الثالث، أو الرابع، أو الخامس ؟ ( كما جاء على لسان الملك).
قبل الحديث عن علاقة الإدارة بالمواطن المغربي، يجب علينا أولاً: تعريف معنى الإدارة Administration ؛ والأساس الذي يقوم عليه علم الإدارة بشكل عام. جاء في معجم المعاني البسيط، أن مفهوم الإدارة: من مصدر أدار، يدير، أدر، إدارة، فهو مدير، والمفعول مدار، وفي معجم اللغة العربية، من مصدر أدار، مركز الرياسة والتصرف، ويقال مجلس الإدارة؛ أي فريق من المسؤولين عن إدارة عمل معين. إن الركائز التي تنبني عليها الإدارة هي أولاً: التخطيطplanning ؛ أي أن يكون للإدارة عمل محكم ومخطط له سلفا،ً ويجب أن تكون لهذا العمل نظرة مستقبلية لتحقيق ما يسمى بالتنمية المتسدامة، ثانياً: التدبير Measure: جاء في معجم إبن منظور" لسان العرب"؛ أن كلمة تدبير: من فعل دبر تدبيراً. ومن ثم، فكلمة "دبر نقيض كلمة القبل، ودبر البيت مؤخرته وزاويته، ودبر الأمر وتدبره: نظر في عاقبته، واستدبره: رأى في عاقبته ما لم ير في صدره، والتدبير في الأمر: أن تنظر إلى ما تؤول إليه عاقبته، والتدبر: التفكير فيه...والتدبير: أن يتدبر الرجل أمره ويدبره. أي: ينظر في عواقبه". وفي هذا التعريف جانب مهم، وهو النظرة المستقبلية للعواقب التي ستفرزها الأعمال داخل إدارة معينة، أي بمعنى تدبير الأمور وحسن التعامل معها كي تصل إلى الأهداف المتوخاة، وثالثاُ: التسيير Management، ويعني سداد الآراء والأفعال داخل إدارة معينة، بحيث يقوم كل موظف بعمله المنوط به على أكمل وجه، من تنظيم للوقت والعمل، والفضاء... الخ. تتأسس نظرية علم الإدارة التي أتى بها فردريك ونزلو تيلر 1856- 1915 Frederick Winslow Taylor (وهو مهندس أمريكي وصاحب نظرية "علم الإدارة") على قاعدة ضرورة تحسين فعالية الإنتاج داخل الإدارة، بفرض رقابة شديدة على كل عمل يجرى داخلها، بحيث يتم الاستغناء عن كل حركة لا تقدم أية إضافة مادية لها، كما تؤكد على ضرورة الكفاءة المهنية، والبحث عن أفضل طريقة ( one best way) لإنجاز العمل، باستخدام المنهج العلمي القائم على التجربة، وكذا اختيار العاملين بطريقة موضوعية، وتقسيم المهام والأدوار بشكل عادل، مع التدبير وحسن التسيير اللذان يشكلان عصب كل إدارة. أما العنصر الأساسي في الإدارة فهو: القائدLeader : والقائد من قاد يقود قد؛ أي ذلك الشخص الذي يتحكم في كل صغيرة وكبيرة داخل الإدارة، بحيث يجب أن تتوفر فيه مجموعة من الصفات كي تنجح هاته الإدارة، أولاً: المسؤولية الأخلاقية؛ أي بمعنى تكون أخلاقه حسنة وأن يكون ليناً ومتعاطفا مع من معه من الإدارة والمواطنين، تم المسؤولية المهنية؛ أي أن يكون مسؤولاً عن المهام التي من واجبه القيام بها، وثالثاً: أن يتخلى عن الجانب السلطوي فيه، إذ يجب أن يضع مكانه مكان من معه في الإدارة من الموظيفين، بحيث لا يجعلهم يحسون بسلطة قهرية تمارس عليهم (الجانب العاطفي) رابعاً: المباردة؛ أي أن يبادر قبل الموظفين على القيام بعمل يعود بالإدارة بالنفع، وليس الاكتفاء بتوجيه الأوامر فقط، فهل كل ما ذكرناه يتوفر في الإدارة المغربية؟ أم أن هنالك حلقة مفرغة ؟ وما علاقة المواطن المغربي بالإدارة ، هل هي علاقة انسجام وتوافق؟ أم علاقة نفور وتباعد؟ وهل يمكن ان نسمي الإدارة المغربية بالإدارة بمعناها العصري الأكثر حداثة؟ ولماذا يلجأ المواطن المغربي إلى الملك، كي يتدخل ليحل مشاكل بسيطة لا تتطلب الكثير؟.
في الحقيقة إذا تعمقنا في بنية المجتمع المغربي، نجدها تعاني كثيراً مع الإدارة، خصوصاً تلكم التي تهم القطاع العام، وإذا أردنا أن نعود إلى أسباب هاته المعاناة؛ فسنجدها متعدد؛ أولها: غياب عنصر التشبيب؛ أي أنه قد نجد في إدارة معينة رئيساً عمْر فيها لأزيد من ثلاثين سنة، بحيث لم يعد بمقدوره أن يقدم لهذه الإدارة شيئا يذكر، ومع ذلك يظل محافظاً على كرسيه خوفاً عليه من الضياع، ثانيا: غياب عنصر التكوين؛ أي معنى؛ في بعض الإدارات كل من هب ودب يترأس كرسياً معينا؛ دون أن يتلقى تكويناً عن علم الإدارة أو حتى العمل الذي سيقوم به، هنا تحضر العصبية أو القرابة الدموية، فكل موظف يبغي أن يوظف ابنه أو أحداً من أفراد عائلته وجنسه ليخلفه بعد تقاعده، أو أن يشغله معه كموظف شبح دون حسيب ولا رقيب، ثالثاً: مشكلة الرشوة: التي ستظل تنخر المجتمع المغربي تفككه برمته ( فكيف بالإدارة) بما فيها بعض الموظفين، بتواطؤ مع بعض المواطنين طبعاً، رابعاً: غياب ما يسمى "بالقائد الفذ"؛ الذي يقود الإدارة نحو التقدم والازدها، بحيث تتوفر فيه شروط القائد السالفة الذكر، فكيف إذن لموظف لا تتوفر فيه شروط الإدارة بمعناها العلمي المعاصر، أن يهتم بأمور المواطن المغربي؟ وما دام يتلقى الرشوة ويعطيها؛ فكيف له إذن، أن يصلح أحوال المواطنين وأن يقضي لهم حاجاتهم وأمورهم الحياتية البسيطة؟. من الطبيعي أن يلجأ المواطن المغربي لأعلى سلطة في البلاد (الملك) كاَخر حل سيخرجه من دائرة المشاكل التي يعاني منها، وحتى المواطن نفسه، يجب عليه أن يعرف ما له وما عليه، ويجب عليه أن يفهم بأن الرشوة التي يأخذها من موظف أو مترشح ستقتله في يوم من الأيام، وستجعل منه كائن يبحث عن الحياة وليس الرغد فيها، ذلك لأن الرشوة هي أساس كل المصائب والمشاكل التي نعانيها اليوم، خصوصاً في ما يتعلق برقي القرى والمدن والساكنة داخلها.
الحل: في نظري نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى لما يسمى "بالوعي"، لأنه أساس المجتمع وازدهاره، فالوعي الاجتماعي هو: معرفة المواطن لحقوقه وواجباته، والوعي السياسي: تلعب فيه الدولة أساسياً، إذ يجب أن تفرض الرقابة على بعض الموظفين في الإدارة وأن تتم المحاسبة بشكل عادل، كي لا نوجه أسهم الاتهام للمواطن فقط، ولكن هذا لا يعني أنه ليس هنالك موظفين لهم كفاءة في مجال التدبير والتسيير ولديهم مبادئ، ولا يعني وجود قادة لهم من المسؤولية الاخلاقية والمهنية نصيب أوفر كي نقول عنهم قادة بمعنى الكلمة. إن المسؤولية إذن مشتركة بين الإدارة والمواطن، فلكل حقوقه ولكل واجباته، والملك في نهاية المطاف؛ لا يحمل في يده عصى موسى السحرية، كي يحل جميع مشاكل المواطنين، فلا بد إذن من تكثيف وتظافر الجهود بين مختلف أطياف المجتمع المدني بأكمله، كي تتحسن الإدارة المغربية، وأن تحمل لواء الحداثة، بدل التصنيف ضمن إدارات العالم الثالث والرابع والخامس.
مقال: عبد الحميد احسيني ( أستاذ مادة الفلسفة).
