"سعد المجرد" وفقه الأولويات و"شهيد الحكرة" بالحسيمة... أية علاقة؟

جريدة اكدز الإلكترونية 
 عبد الحميد احسيني 



       بعد إنهائي الحصص الدراسية - وفي الطريق إلى البيت - توقفت كعادتي لمجالسة صديق لي، يمتلك محلا تجاريا؛ يبيع فيه الأثاث المنزلي، وتزامن التوقف، مع صَّرَّة من الناس، وهم يحومون حول رجل يقال: أنه تحرش على فتاة أمام أنظار أحد أقربائها، والذي لم يتوانى في الدفاع عنها بشتى السبل، واسترعاني أيضاً؛ خبر نقل لتوه عبر قناة " العربية"، مفاده: أن الشرطة الفرنسية؛ ألقت القبض على الفنان المغربي "سعد المجرد" بتهمة اغتصاب فتاة فرنسية...، فقلت حينها لصديقي: " نحن أمام موقفين مماثلين تماماً؛ المهم أن ما يتعلق بالجسد والجنس وارد في القضيتين معاً، وهذا مشكل يعاني منه المجتمع العربي عامة منذ زمن بعيد، وإلى اليوم، فتفكيره؛ محدود فقط؛ في ما بين القدمين والسُّرَّة، فقال:" إن قضية "سعد" قضية شائكة، وباعتباره فناناً مشهوراً؛ فهو يشرف البلد أين حل وارتحل بأغانيه، ويساهم في نشر الأغنية المغربية الحديثة، وكذلك في مجال السياسة؛ يمكنه أن يدعم حزباً سياسياً في حملته الانتخابية مثلاً، كما فعلت إحدى المغنيات مع " كلنتون" في التشهير بحملتها، لذلك، أتمنى أن يكون الخبر زائفاً، لأن البلد يحتاج لطاقات مثله". فكان أن قلت له: " إن المشكلة مشكلة عدالة، يجب ألاّ ننجرف أمام العاطفة، فالعدالة والقانون أقوى من الجميع، ولا صوت يعلو فوق صوتهما، وإذا صح ما قيل في حقه من تهم؛ فهو يستحق السجن كأي فرد في العالم، كما أن المسألة أيضاً؛ مسألة أولويات؛ فالشباب المغربي، لا يحتاج للغناء فقط؛ كي يكون مثقفا وحداثياً، بل يحتاج لأشياء أخرى أثمن؛ كالحق في التعليم والتعلم، وإيجاد فرص الشغل، والاعتراف به كمواطن مغربي أصيل، ليس في بطاقة الهوية فقط. إن المجتمعات الراقية، لم تزدهر بالغناء، والحفلات من هنا وهناك؛ بقدر ما أعطت الأولوية لِ الأولويات، التعليم أولاً: ثم الصحة ثانياً: ثم الفن ثالثاً، أي البدء بالأساس، والمغرب، يبدو أنه غارق في وحل الفن العفن؛ المزركش بالميوعة، لدرجة؛ أصبح فيها حلم الشاب المغربي لقاء فنان ومعانقته، عوض التفكير في الأساسيات التي ذكرنا، فالمشكلة إذن؛ مشكلة وعي، وعدم ترتيب الأولويات، فالفن؛ يجب ألاَّ يُتَقدَّم على التعليم والصحة، وإتاحة فرص الشغل، وتحسين أحوال المجتمع- الذي يعاني من الطبقية والفقر والتهميش- زد على ذلك؛ أن "كلينتون"، إن استعانت بفنانة ما، لتشهير حملتها الانتخابية؛ فهي تستحق ذلك؛ لأنه لا يمكن مقارنة الشعب المغربي بالشعب الأمريكي، لا من جانب التمتع بالحقوق أوالإحساس بالواجبات، ذلك لأننا نفتقد ما يسمى: "المواطن"، والعكس صحيح . كما أن دولتنا؛ لا تعترف بالطاقات الشابة، إلا تلك التي تمتلك نفوذاً سياسياً ومادياً، والدليل: أنت، فعلى الرغم من أنك تاجر، فأنت تهتم بالاختراع والابتكار، أليس كذلك؟ فقال وهو يبتسم:  نعم بالتأكيد. فقلت له: وسبق لك أن اخترعت " فيوزاً من مخلفات البلاستيك" في محاولة منك للحفاظ على البيئة، وسبق لك أيضاً؛ أن راسلت القناة الثانية سنة 2015 بخصوصه، ولم ترد عليك، وطرحت عليها سنة 2008  فكرة التحكيم الإلكتروني في مجال كرة القدم، ولم ترد عليك أيضاً؛ إلى حين أن سمعت عبر التلفاز، أن رجلاً ألمانيا تبنى فكرتك، فتولد لديك شعور بالضياع في بلد الضياع. ألم تقتنع الاَن أن مشكلتنا مشكلة أولويات؟ فقال بحسرة وألم: صدقت يا صديقي، كيف لي أن أفكر هكذا؟ وأنا ضحية طالها النسيان، في بلد لا يعترف بمعنى "المواطن"، ولا بطموحات الشباب وأحلامهم.(انتهى الحوار).



من أجل التأكيد: 

وليس ببعيد، البارحة المصادف ليوم الجمعة 28 أكتوبر، اهتزت ساكنة مدينة الحسيمة، على إثر حادثة أليمة، راح ضحيتها شاب يسمى ب "محسن فكري" - 31 سنة وإبن المدينة نفسها- بعد مصادرة بضاعته التي هي عبارة عن أسماك، بأمر من رجال السلطة ، بحيث تم رميها في شاحنة الأزبال، وتبلغ قيمة الأسماك تلك ما يناهز 12 مليون سنتيم، مما دفع بالشاب لتسلق الشاحنة في محاولة منه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من عرق جبينه، فكان أن دهس مع سمكه على الفور، وما أثار استغراب الساكنة، سماعهم لشرطي يقول لصاحب الشاحنة: " طحن مو" أي إدهسه ولا ترحمه، ويقال: أن الشاب أبى أن يقدم رشوة تبلغ 500 درهم للسلطات، فكان لها ما تشاء في فعله ففعلته، مما دفع بساكنة الحسيمة، إلى الخروج والسهر ليلاً حتى الصباح، بعد أن اشتط غضبها لحد الغليان.

من هنا، سنعرف مدى افتقاد بلدنا الحبيب لما يسمى بفقه الأولويات، فالشباب في واد مع الغناء، والضياع في أحلام اليقظة، والحقيقة في واد اَخر، والتي لا تأبى الظهور على شاشات التلفاز والراديو. ومن هنا، سنعرف أيضاً، قيمة الشاب المغربي كمواطن، والذي لا يعدو أن يكون مجرد كائن، يستحق أن يدهس مع الأزبال، فمتى سيستيقظ  شبابنا من سباته العميق، ومن حالة الرقاد التي هو فيه ؟.             





الأستاذ: عبد الحميد احسيني (أستاذ مادة الفلسفة).

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة