كلينتون وترامب على طرفي نقيض في رؤية الاقتصاد الأمريكي

غالبا ما يهيمن على اهتمامات المتابعين لصراع الوصول إلى سدة البيت الأبيض، مواقف مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون وخصمها الجمهوري دونالد ترامب، تجاه القضايا الدولية أو المثيرة للجدل.
وفي غمرة هذا الصراع لم يلتفت إلى اختلاف الأجندة الاقتصادية لهيلاري وترامب بما يمكن أن يتركه ذلك من تأثير في الاقتصاد الدولي، بل واقتصادات منطقة الخليج وتحديدا في قضية النفط والغاز.
"الاقتصادية"، استطلعت آراء مجموعة من المختصين الاقتصاديين البريطانيين حول جوانب الاتفاق والاختلاف الاقتصادي بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب.
الدكتورة تانيا تشاتر أستاذة الاقتصاد الكلي في جامعة أكسفورد تعتبر أن الأجندة الاقتصادية للطرفين تعكس صراعا بين المدافعين عن الطبقة المتوسطة والمدافعين عن مصالح كبار رجال الأعمال ورؤساء مجالس الإدارات.
وتضيف تشاتر أن الخلاف الاقتصادي بين مرشحة الحزب الديمقراطي ومرشح الحزب الجمهوري يتجلى في موقف الطرفين من قضية العدالة الاجتماعية والضرائب، على سبيل المثال، فإن كلينتون تعتقد أن رفع معدلات النمو الاقتصادي الأمريكي يتطلب المزيد من المساوة والحراك الاجتماعي، ولهذا تطالب بزيادة الحد الأدنى للأجر في الساعة إلى 12 دولارا على المستوى الاتحادي و15 دولارا للساعة في الولايات المختلفة، كما أنها تريد أن تحافظ على المعدلات الضريبية الراهنة مع زيادة الضرائب على الأغنياء. بشكل أو بآخر يمكننا القول إنها امتداد لسياسة أوباما الاقتصادية مع تعديلات طفيفة.
وتشير تشاتر إلى أنه على النقيض تماما فإن ترامب يريد استقطاعات ضريبية للجميع، ولكن مع مزيد من الخفض الضريبي لمصلحة الأغنياء، وهذا من وجهة نظره سيحل مشكلة الفقر في الولايات المتحدة، فجعل الأثرياء أكثر ثراء يمكنهم من التوسع في استثماراتهم، وبالتالي توظيف المزيد من الأيدي العاملة، ولذلك لا نجد استخداما لكلمة عدم المساوة في الخطاب السياسي لترامب، أما بالنسبة للحد الأدنى للأجور، فإنه لا يدعم وجود حد أدنى للأجور على مستوى الولايات المتحدة ويكتفي بأن يكون ذلك من اختصاص الولايات.
الصحافي وليم هايتشمان مراسل هيئة الإذاعة البريطانية لسنوات في الولايات المتحدة يرصد أيضا جانبا مهما في طبيعة الخلاف الاقتصادي بين هيلاري وترامب، ويضيف أن الخبرة السياسية لهيلاري تجعلها تخوض في التفاصيل الاقتصادية الصغيرة لشرح رؤيتها لكيفية تحسين الوضع الاقتصادي للولايات المتحدة، أما ترامب فإنه على العكس تماما يتفادى التفاصيل بقدر الإمكان ويكتفي بوضع خطوط عريضة بحكم تأثره بكونه رئيس مجلس إدارة لعديد من الشركات.
أما البروفسير جورج جانكينز رئيس قسم الاقتصاد سابقا في جامعة لندن والاستشاري في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فيعتقد أن تأثير الاختلافات الاقتصادية الجذرية - من وجهة نظره - بين ترامب وكلينتون تتجاوز في أهميتها وخطورتها انعكاسها على الاقتصاد الأمريكي، وإنما يجب النظر إلى تداعياتها على الاقتصاد الدولي.
وأشار جانكينز إلى أننا نتحدث عن أكبر اقتصاد في العالم، ومن ثم فإن أي تغيرات داخلية تطرأ عليه سواء بارتفاع أو انخفاض معدلات النمو، ستؤثر حتما في مجمل النظام الاقتصادي العالمي، ومن هنا تأتي أهمية المتابعة الدقيقة للبرنامج الاقتصادي للمرشحين.
وأضاف جانكينز أن هناك جوانب اتفاق وخلاف بين الطرفين في قضايا التجارة الدولية، وخاصة في اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، فكل من ترامب وكلينتون يعارضان اتفاقية الشراكة عبر الهادئ التي تضم 12 دولة من بينها الولايات المتحدة وكندا واليابان، كما أنهما يطرحان تساؤلات بشأن اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية، لكنهما يختلفان حول أسباب المعارضة وسبل الحل.
وأوضح جانكينز أن ترامب لا يحبذ التجارة الحرة ويدعم حماية الصناعات الأمريكية عبر رسوم جمركية مرتفعة، حيث يصف المنافسة مع الصين مثلا بأنها منافسة غير عادلة، ورفضه لاتفاقية الشراكة عبر الهادئ والتجارة الحرة لأمريكا الشمالية دفعه للاصطدام بغرفة التجارة الأمريكية، التي أعلن بعض من كبار أعضائها أن سياسة ترامب في مجال التجارة ستعود بعواقب وخيمة على الاقتصاد الأمريكي، وستؤدي إلى حرب تجارية دولية، وانخفاض في معدل نمو الاقتصاد الدولي، وبالنسبة لكلينتون فإنها تبدي تحفظا فيما يتعلق بتلك الاتفاقيات التجارية الدولية، لكنها تسعى لإدخال تعديلات وليس الإطاحة بمجمل الاتفاقيات التجارية، فهي تعلم حجم التعقيدات الدولية الناجمة عن ذلك، وما يمكن أن تؤدي إليه الحرب التجارية من كوارث اقتصادية دولية.
ومع هذا، فإن آندي والتر الباحث الاقتصادي في بنك إنجلترا يعتقد أن الخطورة لا تكمن فقط في رؤية ترامب الداعية لمزيد من الحماية الاقتصادية عبر رفع قيمة الرسوم الجمركية، وإغلاق الأسواق الأمريكية أمام السلع الدولية وتحديدا الصينية والمكسيكية، وهو ما سيعزز الأصوات الأوروبية المطالبة بسياسات اقتصادية أكثر انعزالا أيضا، ومن ثم سنواجه اتجاها عالميا - إذا ما تولى ترامب سدة البيت الأبيض- يعود بالاقتصاد العالمي إلى حقبة الثلاثينيات من القرن المنصرم، لكن الأكثر خطورة - من وجهة نظر آندي- هو موقف ترامب من قضية الديون الأمريكية.
وأشار والتر إلى أن قضية الديون بين واشنطن وبكين إذ تم تفجيرها ستؤدي حتما إلى حرب اقتصادية طاحنة بما في ذلك حرب عملات عنيفة، فإجمالي الديون الأمريكية وفقا لتصريحات ترامب يبلغ 19 ترليون دولار، وقد تعهد بالخلاص منها خلال ثماني سنوات، ولا شك أن إعادة مناقشة تلك القضية مع السلطات الصينية سيواجه برفض عنيف من قبل الصين، وسيستتبع ذلك ضغط أمريكي اقتصاديا وتجاريا بل والتحايل عبر التلاعب في سعر صرف #الدولار في مواجهة العملات الأخرى لخفض قيمة تلك الديون.
وأضاف والتر أنه على الجانب الآخر يبدو موقف كلينتون أكثر واقعية بضرورة تغير سياسات الإنفاق العام للتصدي لمشكلة الديون، وعلى الرغم من أنها لم تشر لخطوات محددة إلا أنها تتفادى الاصطدام بالصين، لأن تداعيات ذلك ستتجاوز العلاقات الثنائية بين البلدين إلى الاقتصاد العالمي ككل.
وتعد قضية الطاقة وتحقيق أمن الولايات المتحدة في هذا المجال، عبر ضمان مصادر إمداد مستقرة وبأسعار رخيصة أحد أبرز الخلافات بين هيلاري وترامب، بصورة قد تنعكس على البلدان المنتجة للنفط في #الشرق الأوسط.
الدكتورة لورين بروكس المختصة في شؤون الطاقة تعتبر أن رؤية الطرفين ستكون لها تأثيرات قوية في أسواق الطاقة الدولية وتحديدا أسعار النفط والغاز مستقبلا، مضيفة أن وجهة نظر كلينتون تعتمد على خفض اعتماد الاقتصاد الأمريكي على الوقود الأحفوري، عبر تحديد أهداف محدده لمصادر الطاقة البديلة، في المقابل يتبنى ترامب وجهة نظر مختلفة تماما تقوم على المزيد من عمليات الحفر والتنقيب على آبار النفط والغاز بما في ذلك ولاية ألاسكا.
وتضيف بروكس أنهما رؤيتان مختلفتان وسيكون لهما تداعيات متباينة على أسعار النفط والغاز، فإذا التزمت هيلاري بتعهداتها فإن ذلك سيؤدي حتما إلى اتخاذ تدابير تعوق إمكانية التوسع في إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، فإذا تواكب ذلك مع تحسن في معدلات النمو في الاقتصاد الأمريكي فإن معدلات الاستهلاك المحلي من النفط والغاز ستزداد، وبما يتوقع معه زيادة في الواردات وارتفاع في الأسعار، وهذا تماما عكس ما سيحدث في رؤية ترامب إذ ستؤدي إلى زيادة معدلات الحفر والتنقيب واكتشاف المزيد من الآبار ومنح تسهيلات لآبار النفط الصخري إلى زيادة الإنتاج الأمريكي وتصدير الفائض إلى الأسواق الدولية ومن ثم زيادة المعروض العالمي وانخفاض الأسعار.
باختصار، وكما تقول الدكتورة تريسي فرانك أستاذة التاريخ الاقتصادي في مدرسة لندن للتجارة، فإن لدينا اقتصاد واحد هو الاقتصاد الأمريكي، ولكن لدينا وجهتي نظر لإدارة هذا الاقتصاد، ويصعب القول إنهما يقفان على طرفي نقيض، ولكن حجم الخلافات بينهما يؤكد أن الاقتصاد الأمريكي والدولي سيقف على مفترق طرق، وإذا كان ترامب وكلينتون ينتميان إلى المدرسة التي تضع أمريكا ومصالحها قبل الجميع، فإن ترامب ينتمي إلى المدرسة الاقتصادية التي ترى أن مصلحة أمريكا تكمن في جعل الأثرياء أكثر ثراء، وإغلاق الأسواق المحلية، وعدم مساعدة الآخرين اقتصاديا إلا بمقدار ما يحققه ذلك من مصالح مادية ملموسة ومباشرة للولايات المتحدة.
وأشار فرانك إلى أن هيلاري وبحكم تمرسها في العمل السياسي لثلاثة عقود تدرك أن تفوق أمريكا الاقتصادي هو حجر الزاوية كي تظل صانعة القرار الدولي، لكنها توسع الدائرة فلا يمكن أن تختزل الولايات المتحدة داخليا في تحقيق مصالح الأثرياء فقط، ولا يمكن أن تكون علاقة واشنطن مع العالم قائمة على المزيد من الرسوم الجمركية، ليس فقط لأن تلك السياسة لن تسهم في تعزيز قوة الاقتصاد الأمريكي، ولكن لأنها ستضعف مكانة الولايات المتحدة في العالم والأهم تأثيرها في القرار الاقتصادي الدولي.

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة